قصف مطار ابو الظهور السوري رسائل اسرائيلية في أكثر من اتجاه
منوعات
قصف مطار ابو الظهور السوري رسائل اسرائيلية في أكثر من اتجاه
راسم عبيدات
21 آب 2026 , 12:45 م

بقلم :- راسم عبيدات

لم يشفع للنظام السوري الحالي،الذي جيء به،وبمشاركة وموافقة أكثر من عاصمة،منها واشنطن وانقرة وحتى تل أبيب،وعواصم عربية خليجية على أنقاض النظام السوري السابق، انه اخرج قوات حزب الله والحرس الثوري الإيراني من دمشق وقطع خطوط امدادات المقاومة اللبنانية البرية،وأخرج فصائل المقاومة المسلحة الفلسطينية من سوريا،وسلم بضم الجولان وصمت على تدمير كل القدرات العسكرية والتسليحية السورية وصواريخها الإستراتيجية وقواعدها البرية والبحرية والجوية ومطاراتها العسكرية،وصمت عن إحتلال اسرائيل للمرتفعات المحيطة بجبل الشيخ ومنطقة واسعة جنوب سوريا حتى مشارف دمشق،واستمر في القول بأن اسرائيل ليست عدوه لسوريا،ولن يسمح لأي قوة بإستهداف اسرائيل من خلال الأراضي السورية،وكان يستعد لتنفيذه دوره الأمني والعسكري المناط به امريكياً بضرب حزب الله اللبناني،لولا التهديد الإيراني وقوى المقاومة العراقية بقصف مئة هدف في سوريا ،بما في ذلك قصف قصره الرئاسي.

اليوم يُقصف مطار ابو الظهور العسكري في عمق ريف أدلب الجنوبي الشرقي وعلى بعد 70كم عن الحدود التركية ، طبعاً هذا القصف نتاج سياسة سحب الذرائع،والإعتقاد الخاطىء بأن التنازل المجاني يصنع سلاماً ،وغياب الردع يجعل الإحتلال شريكاً،والوثوق بالأمريكي،والسكوت على إحتلال الأراضي السورية،والأهم من ذلك أين هو الخليفة التركي، الراعي لهذا النظام وله مصالح أمنية وعسكرية في سوريا،ويعتبرها جزء من امنه الإستراتيجي....؟؟؟؟

استهداف مطار ابو الظهور في ريف ادلب الشرقي،حمل عدة رسائل إسرائيلية بعدة اتجاهات،منها للنظام السوري الجديد ،بعدم اعادة بناء القدرات العسكرية السورية،وبما لا يمكن اسرائيل من احتوائها والسيطرة عليها، منع تمدد النفوذ التركي داخل الأراضي السورية،وتحويل تلك المطارات الى قواعد عسكرية تركية ثابتة ورسالة اخرى الى المنطقة والإقليم، بأن اسرائيل تريد ان تكون لاعب رئيسي في تقرير مصير سوريا.وهذه العملية ليست عملية عسكرية عابرة،ولن تكون الضربة النهائية والأخيرة.

ومن ضمن تلك الرسائل أيضاً ،منع إعادة بناء القدرات الجوية السورية ،حيث «إسرائيل» لا تريد لسوريا أن تستعيد سريعاً قدرتها الجوية. إعادة تشغيل مطار كبير مثل أبو الظهور تعني توفير بنية تحتية يمكن أن تستقبل مقاتلات وطائرات نقل ومسيّرات، وبالتالي بدء إعادة تشكيل قوة جوية سورية. ومن هنا يأتي الاستهداف ضمن سياسة أوسع لمنع إعادة بناء القدرات العسكرية الثقيلة.وعلينا كذلك أن لا ننسى بأن العملية هدفت الى إبقاء سوريا من دون قدرة ردع حقيقية،والهدف الإسرائيلي لا يقتصر على ضرب قاعدة واحدة، بل يتصل برؤية استراتيجية أوسع تقوم على إبقاء سوريا عسكرياً في موقع ضعيف. فكل مطار أو منظومة دفاع جوي أو مخزن تسليح يُعاد تشغيله يمكن أن يشكل مستقبلاً جزءاً من قدرة ردع سورية لا تريدها تل أبيب.

وكذلك ضمان عدم تحول المطار إلى قاعدة إقليمية متقدمة،فموقع أبو الظهور يسمح له بأداء دور يتجاوز كونه مطاراً محلياً. وفي حال تطويره بدعم تركي، يمكن أن يتحول إلى قاعدة لوجستية وجوية متقدمة تخدم عمليات أوسع في شمال ووسط سوريا، وهو ما تنظر إليه «إسرائيل» باعتباره تغيراً غير مريح في ميزان القوى،وهناك رسالة أخرى حملتها عملية القصف ،لما عرف وسمي بتحالف مكة، بأن هذا التحالف لن يعيق حرية الحركة الإسرائيلية ،ولا يعيد رسم الخريطة الجيواستراتيجية للإقليم.

المضحك المبكي إن الموقف الأميركي من الغارات الإسرائيلية على سورية يكرر النموذج الذي ظهر عند الغارة الإسرائيلية على قطر. حيث تقول واشنطن بعد وقوع الاعتداء إنها لا تراه عملاً صائباً، لكنها لا تتحرك لمنعه، ولا تحذّر الدولة المستهدفة قبل تنفيذه، رغم إبلاغ إسرائيل البيت الأبيض مسبقاً. ثم ينتقل النشاط الأميركي من الاعتراض على المعتدي إلى الضغط على الطرف المعتدى عليه لمنعه من الرد. هذا ما حدث مع قطر، ويتكرر اليوم مع تركيا وسورية، كلام لتطييب الخواطر عن السيادة ورفض التصعيد، يقابله إنشاء آلية لمنع الاشتباك هدفها العملي ضبط الرد التركي السوري بعدما تكون “إسرائيل” أوصلت الرسالة وفعلت ما تريد، بينما تبقى حرية الحركة الإسرائيلية بلا ضمانات أو قيود. ليست المسألة إذاً عجزاً أميركياً عن كبح “إسرائيل”، بل توزيعاً مدروساً للأدوار. تغاضٍ قبل الغارة، عتب لفظي بعدها، وضغط سياسي وأمني لحماية نتائجها. وهكذا تفرض “إسرائيل” خطاً أحمر جديداً بالقوة، فيما تتولى واشنطن منع الأطراف المتضررة من اختباره بالقوة، ويتحوّل الاعتراض الأميركي إلى غطاء دبلوماسي لاحتواء الغضب، لا إلى موقف يمنع تكرار العدوان لاحقاً.

النتيجة الراهنة تبقى تقدماً إسرائيلياً وتراجعاً تركياً،فالمقياس الحقيقي لن يكون في بيانات الإدانة، بل في مصير “أبو الظهور”. إذا عادت تركيا إلى تأهيل القاعدة ووفرت الحماية للمشروع، تكون قد امتصت الضربة تمهيداً لبناء معادلة ردع. وإذا تخلت عنها أو نقلت مشروعها إلى مكان تختاره “إسرائيل”، تكون تل أبيب قد فرضت عليها خطها الأحمر.

ختاماً : إن قصف مطار أبو الظهور لا يتعلق بمدرج طائرات فقط. ما جرى هو رسالة متعددة الاتجاهات: إلى دمشق بأن إعادة بناء القوة العسكرية ستكون مكلفة، وإلى تركيا بأن تمددها العسكري سيواجه اعتراضاً إسرائيلياً، وإلى المنطقة بأن «إسرائيل» تحاول فرض نفسها لاعباً يحدد شكل التوازن العسكري داخل سوريا. لذلك قد تكون الغارات على أبو الظهور بداية فصل جديد من صراع النفوذ، وليس نهاية حادث أمني عابر.

فلسطين – القدس المحتلة

20/8/2026

[email protected]