تمكن مهندسون في منشأة سانفورد للأبحاث تحت الأرض (SURF) بالولايات المتحدة من حل ظاهرة غامضة حيّرتهم لسنوات، بعدما اكتشفوا أن مياه الأمطار الغزيرة يمكن أن تغيّر اتجاه تدفق الهواء داخل الأنفاق العميقة ، وهو اكتشاف قد يسهم في تحسين أنظمة السلامة والتهوية في المناجم والمنشآت الجوفية حول العالم.
ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة Mining, Metallurgy & Exploration.
تغير مفاجئ في حركة الهواء أثناء العواصف
بدأت القصة عندما لاحظ فريق الهندسة في المنشأة، بقيادة مهندس التعدين جيسون كونوت، حدوث اضطرابات غير معتادة في نظام التهوية خلال فترات هطول الأمطار الغزيرة.
ففي الظروف الطبيعية، يدخل الهواء النقي إلى المنشأة عبر بئرين رئيسيين، ثم يخرج عبر بئرين مخصصين للعادم، من بينهما البئر المعروف باسم 5 Shaft.
لكن أثناء الأمطار الشديدة، كان الهواء في بعض الأنفاق يتباطأ، بل وينعكس اتجاهه أحيانا، دون وجود تفسير واضح لهذه الظاهرة.
السلامة
مياه الأمطار كانت المفتاح
إلى جانب دوره في التهوية، يُستخدم البئر 5 Shaft لتصريف كميات المياه الزائدة الناتجة عن الأمطار عندما تتجاوز قدرة مضخات المنشأة على سحبها.
وتُوجَّه هذه المياه إلى خزان عميق تحت الأرض قبل ضخها لاحقا إلى السطح.
وافترض المهندسون أن عمود المياه المتدفق بسرعة داخل البئر قد يكون يدفع الهواء أمامه، تماما كما يدفع المكبس الهواء داخل الحقنة الطبية.
لكن هذه الفرضية احتاجت إلى أدلة علمية لإثباتها.
أجهزة استشعار كشفت الحقيقة
تمكن الفريق من جمع بيانات أكثر دقة بعد تركيب أجهزة استشعار حديثة لقياس تدفق الهواء داخل الأنفاق.
كما ساهمت تجارب سابقة أجراها ستيف غابرييل، الذي كان حينها مدرس علوم في إحدى المدارس الثانوية قبل انضمامه لاحقًا إلى فريق المنشأة، في رصد تغيرات غير معتادة في حركة الهواء أثناء اختبار لنظام تصريف المياه.
ومع توفر البيانات الجديدة، أصبح بإمكان الباحثين مقارنة القياسات الفعلية بالنماذج الهندسية.
نماذج رياضية تؤكد الفرضية
بحث الفريق في الدراسات العلمية السابقة، ليجد أبحاثا تناولت ظاهرة مشابهة داخل شبكات الصرف الصحي الكبيرة في المدن.
واستعان الباحثون بمعادلات ديناميكا الموائع المستخدمة في تلك الدراسات، ثم عدلوها لتناسب تصميم منشأة سانفورد.
وأظهرت الحسابات توافقا كبيرا مع القياسات الميدانية، ما أكد أن سقوط كميات كبيرة من المياه داخل البئر يولد ضغطًا قادرًا على دفع الهواء وتغيير اتجاه حركته داخل شبكة التهوية.
وأشار الباحثون إلى أن النتيجة كانت مفاجئة، إذ لم يكن متوقعًا أن تمتلك قطرات المياه المتساقطة القدرة على تحريك هذا الحجم الكبير من الهواء.
انعكاسات مهمة على سلامة المناجم
يرى الباحثون أن أهمية الاكتشاف لا تقتصر على فترات هطول الأمطار، بل تمتد إلى حالات الطوارئ داخل المناجم والمنشآت تحت الأرض.
فعند اندلاع حرائق، يلجأ المهندسون أحيانا إلى ضخ كميات كبيرة من المياه عبر الآبار العمودية، وهو ما قد يؤدي أيضا إلى تغيير مسارات تدفق الهواء.
وفهم هذه الظاهرة يسمح بتوقع سلوك الهواء مسبقا، وضبط أنظمة التهوية بطريقة تقلل المخاطر وتحسن إجراءات السلامة أثناء الطوارئ.
دراسة قد تفيد المنشآت الجوفية حول العالم
أكد فريق البحث أن توفر الوقت والإمكانات داخل منشأة سانفورد، التي تُستخدم لأغراض البحث العلمي، أتاح دراسة هذه الظاهرة بالتفصيل، وهو أمر قد لا يتوافر في المناجم العاملة بسبب ضغوط التشغيل اليومية.
ويرى الباحثون أن نتائج الدراسة يمكن أن تساعد في تطوير تصميم أنظمة التهوية وإدارة تدفق الهواء في المناجم والأنفاق والمنشآت الجوفية المختلفة، بما يعزز سلامة العاملين ويحسن كفاءة التشغيل.