اختِلاف النّظرة الإيرانية للحرب، عن نظرة الغربيين إليها،
منوعات
اختِلاف النّظرة الإيرانية للحرب، عن نظرة الغربيين إليها،
28 حزيران 2026 , 05:14 ص

🔴كتب الأستاذ هادي عيد:

📌هذا نص فلسفي رائع وراق يعالج مفهوم الحرب من وجهة نظر ايران مقارنة بالحرب كما ينظر اليها الغرب. نادرا ما وقعت على نص بهذا الجمال وهذا العمق. حول معنى الحياة والموت والشهادة. الهوة سحيقة بين النظرتين والغرب لا يمكنه ان يربح حربا بهذه العدمية التي تميز نظرته للحياة والموت . تمتع ...

إيران ومأساة الحرب التكتونية

استمرت حرب رمضان لعام 2026 أربعين يومًا. وعند نهايتها، وجدت المؤسسات الاستراتيجية في العالم الأطلسي نفسها أمام صمتٍ كانت خوارزمياتها عاجزة عن معالجته. لقد كانت تلك المؤسسات قد توقّعت انهيار البنية التحتية الإيرانية خلال اثنتين وسبعين ساعة، وتفكك سلسلة القيادة والسيطرة، والتجزؤ الحتمي لمجتمعٍ يقع تحت وطأة هجومٍ جويّ وبحريّ مركّب. لم يقع أيٌّ من ذلك. كانت التقديرات المعتادة تستدعي متغيرات مألوفة: المبالغة في تقدير المنصّات الشبحية، التقليل من شأن بطاريات الصواريخ الموزّعة، والغرور البنيوي الدائم لهيئات الأركان الإمبراطورية. وكل ذلك صحيح، لكنه لا يمسّ جوهر المسألة.

ما واجهه الغرب في إيران لم يكن تفوقًا عسكريًا بالمعنى التقني. بل كان نمطَ وجودٍ في العالم مختلفًا جذريًا، لا تمتلك تقاليدُه الفكرية والروحية الغربية المعاصرة مفرداتٍ قادرة على استيعابه. تحاول هذه الدراسة تسمية هذا النمط من الوجود، وبذلك تشخيص العلّة التي تمنع الغرب من التعرف عليه.

1. مرضُ المشهد: الحرب الغربية بوصفها عدميةً فاعلة

ينبغي البدء بإزاحة الفرضية المطمئنة القائلة إن الحرب على الطريقة الغربية هي حرب «عقلانية». فهي، في بنيتها الأعمق، بنية مرضية جذريًا. لقد حدّد مارتن هايدغر في مقاله لعام 1954 «سؤال التقنية» جوهر التقنيات الحديثة لا بوصفها أدوات محايدة، بل بوصفها نمطًا من الانكشاف يسميه Gestell — أي «التأطير/الاستدعاء الكلي» أو «التحويط القسري للوجود». ضمن هذا التأطير، تُختزل جميع الكائنات — بشرًا وحيوانات ومعادن — إلى Bestand، أي إلى «مخزون»: موارد قابلة للتنظيم، والتحسين، والمعالجة، ثم الإزالة النهائية.

إن ما كان هايدغر يرصده في السدّ الكهرومائي على نهر الراين يمكن رصده اليوم في سلسلة التدمير التي ينفذها القاذف الأمريكي. فالعدو لم يعد ذاتًا يُخاض معها صراع سياسي، بل يصبح مجموعة أهداف، نقطة بيانات ضمن تقييم للأضرار، أو عقدة داخل شبكة لوجستية ينبغي تدميرها.

هنا يتجلى العدم، لكن ليس العدم السلبي الخاص بالاستقالة الشوبنهاورية أو بالإرهاق الحزين لأرستقراطية روما المتأخرة، بل عدمية فاعلة: إرادة نشطة، بل ومبهجة، للعدم ذاته، تجعل من مشهد التدمير مصدرها الوجداني الوحيد. وقد جعلت حرب 2026 هذا المعنى مرئيًا بصورة فجة.

تأمل سلوك الطبقة السياسية الأمريكية. لم يكتفِ دونالد ترامب بتفويض الضربات الجوية، بل قام بأدائها وتمثيلها. فعندما دمّر قاذف من طراز B-1 جسرًا غير مكتمل، نشر ترامب مقطع الفيديو على منصته الاجتماعية مع تعليق استفزازي: «سيكون هناك المزيد!». ووصف اختطاف قائد دولة أجنبية كما لو كان «مشاهدة برنامج تلفزيوني».

أما بيت هيغسيث، وزير الحرب لديه، فقد رفض البنية الكاملة للقانون الإنساني الدولي — ذلك الترسب التاريخي لقرون من العقيدة المسيحية لحرب عادلة، حتى في صيغتها المعلمنة — واعتبرها «قواعد اشتباك سخيفة». ليست هذه استراتيجية، بل تحويل للحرب إلى لعبة (gamification). تصبح الحرب منتجًا استهلاكيًا، فيلمًا ترفيهيًا غامرًا، يتلاشى فيه الفارق البنيوي بين فعل القتل وفعل الترفيه.

تتفاقم هذه الظاهرة بصورة أشدّ داخل الكيان الصهيوني، بوصفه في آنٍ معًا مختبرًا وطليعة لهذا النمط من الوجود. أثناء حملة الإبادة في غزة والضربات اللاحقة ضد إيران، كتب أكاديمي إسرائيلي على نحو علني: «اقتلوا الأطفال الإيرانيين. اقصفوا أطفالهم لا بنيتهم التحتية. يجب أن يرى الآباء موت أطفالهم». وأضاف، بنبرة فخر سريرية، أنّ الأمر استغرق عامين من أجل إتقان هذه المنهجية في غزة. ليس هذا انحرافًا استثنائيًا ولا خرقًا لمقتضيات اللياقة، بل هو نقطة التحقق المنطقي النهائية لعملية الـGestell (التأطير/الاستدعاء الكلي). عندما تُجرَّد الجماعة المعادية من أي هالة مقدسة — عندما لا تعود سوى Bestand، أي «مخزونًا» — فإن موت الطفل لا يعود مأساة، بل يصبح مؤشرًا، وحدة قابلة للقياس في الحرب النفسية. ولم يعد الغرب حتى يكترث بتغطية حروبه بغطاء «التدخل الإنساني». لقد سقط القناع، لأن الوجه تحته متعفّن بالفعل.

لفهم المدى الكامل لهذه الحالة المرضية، ينبغي توسيع النظر خارج الخليج الفارسي وصولًا إلى الأرض السوداء في الدونباس. إن الحرب بالوكالة التي يشنّها الغرب ضد روسيا في أوكرانيا ليست نموذجًا مضادًا للعدمية الموصوفة أعلاه؛ بل هي أكثر تجلياتها اكتمالًا.

انظروا إلى ما قدّمه الغرب فعليًا لأوكرانيا: أسلحة، بلا شك — HIMARS، وStorm Shadow، ودبابات Abrams، وتدفّق مستمر من العتاد لدعم حرب استنزاف طويلة. عقوبات ضد روسيا، أي حرب مالية ارتدت بصورة دراماتيكية على من أطلقها. وسردية «الاندماج الأوروبي» التي لا تعني عمليًا سوى وعدٍ بالتابعية البنيوية لبرلين وواشنطن. لكن ما لم يستطع الغرب تقديمه — ولا يمكنه بنيويًا تقديمه — هو ميتافيزيقا للتضحية. إنه عاجز عن تفسير سببٍ يمنح موت الجندي الأوكراني معنى، لأن الغرب ذاته لم يعد يؤمن بأن للموت معنى أصلًا.

الاتحاد الأوروبي ليس سوى جهاز إداري لتسيير الأسواق. لا يمتلك نوموس، ولا تأسيسًا مقدسًا، ولا قدرًا تاريخيًا. وهو، بالمعنى الدقيق الذي قصده أوزفالد شبنغلر، حضارة: مرحلة لا عضوية، بلا روح، ما بعد-ثقافية، لكائنٍ كان يومًا حيًّا.

في هذا السياق، لا يموت الجندي الأوكراني من أجل وطن بالمعنى التكتوني/الأرضي، ولا من أجل تاريخ مقدّس أو عهد مع الموتى، بل من أجل تحويل بنكي ومنشور على تويتر لموظف في بروكسل. ينظر ضباط الناتو إلى مسرح العمليات في شرق أوكرانيا بوصفه شبكة إحداثيات؛ ويتحدثون عن «تشكيل ساحة المعركة» و«إدارة درجات التصعيد» بلغة لا تختلف عن تحليل مخاطر الشركات.

أما المقاتل الروسي، شاء من شاء وأبى من أبى، فيتحرك داخل تشكيلة رمزية أخرى: فهو يقاتل على أرضٍ أجدادية ضد اختراق يُنظر إليه كامتداد لثلاثة عقود. يقاتل، بشكل غير كامل بالطبع، بوصفه كائنًا تكتونيًا: متجذرًا في الأرض، وفي الذاكرة، وفي إرث حضاري أرثوذكسي مخصوص.

أما الجندي الأوكراني، فهو مُدْرَج في حرب ليست حربه بالكامل: حرب تُخاض باسم المبدأ المجرد القائل إن «الحدود لا ينبغي أن تتغير بالقوة» — وهو مبدأ انتهكه الغرب ذاته كلما اقتضت مصالحه ذلك.

ليس من الضروري إضفاء طابع رومانسي على الاتحاد الروسي كي نُقرّ بأنه يؤدي في هذا الصراع وظيفةً سماها كارل شميت الكيتخون (Katechon): قوة الكبح، القوة غير الكاملة لكنها القادرة على تأخير الانحلال التام للعالم داخل فضاء متجانس تحكمه حركة السوق. إن غضب الغرب من روسيا ليس ردّ فعل أخلاقيًا على انتهاك القانون الدولي، بل هو غضب العدمي حين يواجه شعبًا ما يزال يؤمن بأن للقدر معنى يتجاوز الاستهلاك الفردي.

1. ميتافيزيقا القتال الوفي: التكثيف الوجودي لإيران

في مواجهة هذا الفراغ — ذلك العدم الفاعل، المتفرّج، المتحوّل إلى سلعة — تقوم ما لا يمكن تسميته إلا بـ«ميتافيزيقا القتال الوفي». إن هذه الظاهرة تقاوم كل قراءة اختزالية. فهي ليست مجرد «تطرّف ديني»، كما تصرّ الصحافة الغربية على توصيفها. وليست ابتكارًا تكتيكيًا يمكن تفكيكه وإدراجه في الدليل القادم لقوات المارينز. إنها علاقة مختلفة جذريًا بالموت، وبالجماعة، وبالأرض التي يقف عليها الإنسان.

وللاقتراب منها، ينبغي العودة إلى تقليد تجاهله الغرب بصورة منهجية: الفلسفة الإسلامية الإيرانية، ولا سيما مذهب الحركة الجوهرية (al-harakat al-jawhariyya) الذي طوّره حكيم القرن السابع عشر ملا صدرا الشيرازي. تقرّر الحركة الجوهرية أن الواقع ليس جوهرًا ثابتًا يطرأ عليه تغيّر عرضي، بل إن الجوهر نفسه في حركة دائمة. الوجود ليس حالة ساكنة، بل جريان مستمر وتكثيف متواصل. الكائن لا «يمتلك» تاريخًا يقع عليه من الخارج، بل هو هذا التاريخ نفسه في نمط من التعمّق المستمر. ليست هذه استعارة، بل أنطولوجيا.

إيران، بوصفها بومية (bumiyyat) — كينونة متجذّرة في المكان والتاريخ — هي التجسيد الحيّ لهذا المبدأ. فإيران لا تملك مجرد تاريخ طويل؛ إنها هذا التاريخ وهو في حركة. في كل لحظة تهديد وجودي — من حرق برسبوليس على يد الإسكندر، إلى نهب بغداد على يد المغول، ومن الحرب التي استمرت ثماني سنوات ضد نظام صدام حسين المدعوم غربياً، وصولًا إلى حرب رمضان 2026 — لم تتفكك الماهية الإيرانية تحت وطأة الصدمة، ولم تنحلّ إلى مجرد غريزة بقاء. بل على العكس: لقد تكثّفت. عادت إلى جذورها، لا بوصفها تكرارًا نوستالجيًا عقيمًا، بل بوصفها إعادة خلق لها على درجة أعلى من الكثافة الوجودية. هذا هو معنى الاشتداد (ishtidad): التكثيف أو التصرّف في درجة الوجود نفسها.

آلية هذا التكثيف هي التذكّر (tadhakkur). لكنه ليس تذكّر التلميذ الذي يحفظ التواريخ عن ظهر قلب. إن التذكّر هنا فعل أنطولوجي نشط، يطيح بالزمن الخطي الفارغ للحداثة الغربية — ذلك الذي سماه والتر بنيامين «الزمن المتجانس والفارغ» — ويفتح بدلًا منه أفقًا لزمن نوعي كثيف. عندما يدخل المقاتل الإيراني ساحة المعركة، فإنه لا «يتذكر» معركة كربلاء في القرن السابع الميلادي فحسب، بل يقوم بمزامنة حاضره معها. يصبح معاصرًا للحسين بن علي. إن مأساة كربلاء — بوصفها هزيمة عسكرية وانتصارًا كونيًا في آن — ليست حدثًا ماضيًا تُستخلص منه العبر، بل واقع حيّ وأبدي يشارك فيه المقاتل عبر فعل التضحية نفسه.

ولهذا السبب وجدت أجهزة الاستخبارات الغربية نفسها، بكل ما تملكه من بيانات ونماذج سلوكية، في حالة ارتباك تام خلال حرب 2026. لقد توقّعت أن قوة القصف — ذلك «الصدمة والرعب» التي أسقطت دولًا أخرى — ستكسر المجتمع الإيراني، وتدفعه إلى الانقلاب على حكومته، وتُنتج «ثورة ملوّنة» طال انتظارها. لكن العكس تمامًا هو الذي حدث. ففي اليوم الثاني من الحرب، ومن دون أي أمرٍ من الدولة، ومن دون أي نداء تعبئة رسمي، اجتاحت عشرات الآلاف من الإيرانيين شوارع طهران بصورة تلقائية. كانوا يعلمون أن هذه الشوارع قد تتحول في أي لحظة إلى مناطق موت. ومع ذلك حضروا. لقد كانوا، بلغة التقليد، قد ذبحوا الموت عند عتبة المطلق.

تأملوا الملاحظة الأخيرة لقائد إيراني استُشهد في الأيام الأولى من الحرب. كتب يقول: «العالم شيءٌ سيئ، لأنك إذا امتلكته كاملًا فلن تكون قد ربحت شيئًا. لكنه أيضًا ذو فضيلة: إذا فقدته بالكامل فلن تكون قد خسرت شيئًا». هذا ليس قدرية، وليس «عبادة للموت» كما تصفها الدعاية الغربية. بل هو قول ذاتٍ حدّدت وجودها مع حقيقةٍ مقدسة إلى درجة تصبح فيها الموت البيولوجي مجرد انتقالٍ تكتيكي، لا نهاية. في هذه الأنطولوجيا، لا يموت الشهيد. بل ينتقل من المرئي إلى اللامرئي، ومن الأرضي إلى الحامية السماوية، حيث يواصل القتال إلى جانب رفاقه. وهذا هو معنى الآية القرآنية: «ولا تقولوا لمن يُقتل في سبيل الله أمواتٌ بل أحياء ولكن لا تشعرون» (2:154).

أمام هذا، ماذا يملك المقاتل الغربي؟ راتب. معاش قدامى المحاربين. «مهمة» تتغير مع كل دورة انتخابية. موته، إذا وقع، ليس تضحية بل خللًا لوجستيًا، خطأً في إدارة المخاطر. عدوه ليس ذاتًا منخرطة في صراع سياسي، بل «هدف ذو قيمة عالية» يجب تحييده.

إنه يعمل من على متن حاملة طائرات — جزيرة عائمة ذات ولاية قانونية أمريكية، آلة عقيمة بلا مكان، بلا جذور، بلا انتماء لأي نوموس، ولا لأي أرض، ولا لأي جغرافيا مقدسة. أما المقاتل الإيراني، فيعمل من الجبل. إن سلسلة جبال زاغروس ليست مجرد تضاريس: إنها سلاح، ودرع، ومَحراب. الغرب يقاتل ضد الجغرافيا — يسوّيها، يحرقها، وينكر صلاحيتها الاستراتيجية. أما إيران فتقاتل مع الجغرافيا — تتجذر فيها، تتسلل عبر الأودية المخفية، وتطلق صواريخها من الصخر ذاته، من مواضع لا تستطيع الذخائر الدقيقة الغربية بلوغها.

1. مضيق هرمز بوصفه مسرحًا ميتافيزيقيًا

تجد هذه القطيعة الأنطولوجية أبلغ تعبير لها في مضيق هرمز. فالمضيق ليس مجرد «نقطة اختناق» بالمعنى الساذج للغة الاستراتيجية البحرية، بل هو خطّ جبهة رمزي تتقابل فيه نظامان قانونيان للوجود (nomoi)، ونمطان متعارضان لتنظيم الأرض نفسها.

النوموس الغربي، ذو الطابع الثالاسوقراطي (السيادي البحري)، ينظر إلى البحر بوصفه فراغًا ينبغي عبوره، مجالًا من التدفقات يجب تأمينه لصالح التجارة. فالمضيق هنا مجرد ممر، عنق زجاجة ينبغي إدارته، ومشكلة في إسقاط القوة. أما النوموس الإيراني، ذو الطابع التكتوني/الأرضي، فينظر إلى البحر من موقع الأرض التي تحتضنه وتطوّقه. فالمضيق ليس ممرًا، بل عتبة بيت.

عندما يصرّح مسؤول إيراني لقناة الميادين، قبيل اغتياله، بأن «الخليج الفارسي هو بيتنا»، فهو لا يطلق شعارًا دعائيًا. بل يعبّر عن ادعاء ميتافيزيقي لا تستطيع البنية الذهنية الغربية أن تتلقّاه: بعض الفضاءات ليست فراغًا، ولا حيادية، ولا «مشاعًا عالميًا»، بل هي مشبعة بحضور شعبٍ يمتدّ عقده الوجودي مع هذه الجغرافيا إلى آلاف السنين.

هنا تتجسّد الفكرة الشميتية عن التمييز بين الأرض والبحر. فالبحرية الأمريكية، بوصفها الأداة القصوى للثالاسوقراطية، تفترض أن البحر مجال وصولٍ عالمي مفتوح. أما إيران فتتحرك وفق فرضية، أولية أنطولوجيًا ومثبتة تاريخيًا، مفادها أن البحر الساحلي امتداد للكينونة الأرضية. وعندما تدخل مدمّرة أمريكية إلى مضيق هرمز، فهي لا تعبر مجرد مياه إقليمية بالمعنى القانوني، بل تدخل إلى نمطٍ آخر من الفضاء، حيث تكون الأرض هي العنصر المهيمن، والبحر تابعًا لها.

الصاروخ الذي يصيب تلك المدمّرة ليس فعل اعتداء في معركة بحرية متناظرة، بل هو فعل دفاع عن البيت، يُطلق من بطارية ساحلية مخفية، من جبلٍ يشرف على البحر، من جغرافيا جرى تحويلها إلى بنية عسكرية بواسطة حضارة لم تنسَ بعد كيفية القيام بذلك.

الغرب لا يستطيع فهم ذلك، لأن علاقته بالجغرافيا ذات طابع استخراجي محض. إنه يشغل المكان لكنه لا يسكنه. حاملات طائراته معجزات تقنية، لكنها بلا موطن. أما المقاتل الإيراني، المتشبث بقلعته الجبلية، فهو في موضعه على نحوٍ لا تستطيع الضربة الدقيقة الغربية نفيه أو تفكيكه.

1. مأساة الغرب: خاتمة شبنغلرية

لم تكن حرب رمضان 2026 انتصارًا نهائيًا. لقد كانت مجرد معركة واحدة، باهظة الكلفة، داخل حرب تمتد عبر أجيال. لم يُهزم الغرب بعد. فقاعدته الصناعية، رغم ما أصابها من إنهاك، لا تزال هائلة. وقدرته على التدمير — وعلى تصدير فراغه الداخلي — لم تستنفد. إنه سيُعيد التسلّح. وسيجد وكلاء جددًا. وسيُحسّن تقنيات الإغواء والتخريب لديه. الحرب لم تنتهِ؛ إنها تبدأ للتو.

لكن شيئًا ما قد كُشف، ولم يعد بالإمكان تجاهله. لقد انكشفت ماهية الغرب. فهو لا يزال يقاتل من أجل النفط، ومن أجل نقاط العبور الاستراتيجية، ومن أجل آليات الهيمنة المادية. لم تختفِ المصالح الإمبريالية القديمة. غير أن ما كشفته حرب 2026 هو أن هذه المصالح باتت تُتابَع في غياب أي أفق حضاري أو أخلاقي. فبعد أن فُقد أي تعالٍ مقدّس، لم تعد الحرب تخدم غاية سياسية عليا؛ بل صارت غاية في ذاتها — طقسًا استعراضيًا، مُدارًا عبر الوسائط، مُحوّلًا إلى لعبة، يُدير الموت بينما يُنتج في الوقت ذاته محتوى قابلاً للانتشار الفيروسي. وهذا ما كان أوزفالد شبنغلر قد تنبأ به: حضارة تدخل مرحلة ينتصر فيها المال على الدم، والتاجر على المحارب، والسببية على القدر. وفي مثل هذه المرحلة، حتى الربح المادي يفقد قدرته على الإشارة إلى مستقبل ذي معنى. لا يعود الغرب يؤمن بالمستقبل الذي يدّعي بناءه. لم يبقَ له سوى مسرح الحاضر، جرعة الدوبامين الناتجة عن إشعار ضربة جديدة — وحقول النفط، ما تزال مشتعلة.

إن العالم المتعدد الأقطاب، عالم القوى التكتونية التي تستعيد سيادتها في مواجهة الإمبراطورية الثالاسوقراطية، ينبغي أن يدرك هذه الحقيقة: لا يمكن هزيمة هذا الشكل من العدمية بعدميةٍ أشد. ولا يمكن الردّ على الـGestell الغربي بالمزيد من الهواتف الذكية، ولا بمزيد من الإصلاحات النيوليبرالية، ولا بالمزيد من الاندماج في بنى السوق التي تذيب كل تقليد. إن الردّ الوحيد المستدام هو ما جسّدته إيران، وإن على نحوٍ غير كامل: العودة إلى البومية (bumiyyat) — أي الترسّخ في المكان والأصل —، وثقافة الاشتداد (ishtidad) — أي التكثيف الوجودي —، وانضباط التذكّر (tadhakkur) — أي الذاكرة بوصفها فعلًا أنطولوجيًا حيًا. ليس الأمر حنينًا إلى الماضي، ولا تعصبًا دينيًا. بل هو إدراك بارد وواضح لحقيقة مفادها: الشعب الذي ينسى لماذا يستحق أن يموت، سرعان ما ينسى لماذا يستحق أن يعيش.

الغرب يصرخ في الفراغ: «سندفنكم». لكنه لا يستطيع أن يدفن ما لا يراه. وهو لا يستطيع أن يرى الروح. هذه هي مأساته. وهذه هي الأمل الوحيد للمحاصَرين.

علي - محمد مهاجر ناصر

الترجمة عن الفرنسية من فضائل جي بي تي.