أعلن علماء آثار عن اكتشاف أثري مهم في جنوب شرق تركيا قد يغير الفهم السائد لتاريخ أحد أهم الابتكارات في تاريخ البشرية، وهو صناعة الفخار. فقد عُثر على بقايا من الطين المحروق يعود عمرها إلى نحو 11,300 عام، ما يجعلها من أقدم الشواهد المعروفة على الإنتاج المتعمد للفخار في منطقة جنوب غرب آسيا.
اكتشاف يعود إلى أكثر من 11 ألف عام

تم العثور على القطع الأثرية في موقع تشيمكا هيوك (Çemka Höyük) الأثري جنوب شرق تركيا، حيث أظهرت التحليلات أن تاريخها يعود إلى نحو عام 9350 قبل الميلاد.
وتشير هذه النتائج إلى أن تقنيات تصنيع الفخار ظهرت في المنطقة قبل ما يقرب من ألفي عام من الانتشار الواسع للأواني الفخارية المعروفة تاريخيًا في جنوب غرب آسيا.
دراسة عشرات القطع الطينية المحروقة
قام الباحثون بفحص 46 قطعة من الطين المحروق تم اكتشافها في الموقع الأثري.
وشملت المكتشفات أجزاءً من أوعية بدائية، وطبقات طينية كانت تُستخدم لتغطية مواد عضوية مختلفة، بالإضافة إلى عناصر استُخدمت لتحسين الأواني الحجرية وتطوير وظائفها.
وتوفر هذه القطع أدلة مهمة على وجود تجارب تقنية مبكرة هدفت إلى الاستفادة من خصائص الطين المحروق في الحياة اليومية.
تقنيات تصنيع متطورة بالنسبة لعصرها
أظهرت التحليلات أن الحرفيين القدماء لم يعتمدوا على الطين الخام فقط، بل كانوا يخلطونه عمدا ببقايا النباتات وروث الحيوانات لتحسين خصائصه أثناء الحرق.
كما كشفت الدراسة أن درجات الحرارة داخل المواقد البدائية كانت تصل إلى ما بين 600 و700 درجة مئوية، وهي حرارة كافية لإحداث تغييرات مهمة في بنية المادة الطينية.
وتدل هذه النتائج على امتلاك سكان المنطقة معرفة عملية متقدمة نسبيًا بخصائص المواد وطرق معالجتها.
صناعة الأواني دون استخدام عجلة الفخار
توصل الباحثون إلى أن القطع المكتشفة صُنعت قبل ظهور عجلة الفخار بآلاف السنين.
واعتمد الحرفيون آنذاك على تقنية بناء الأوعية من خلال إضافة شرائط طينية متتالية فوق بعضها البعض، وهي طريقة بدائية لكنها فعالة في تشكيل الأواني.
ولزيادة مقاومة الأوعية لتسرب السوائل، كان يتم طلاء أسطحها بطبقة إضافية من الطين لتحسين إحكامها.
صناعة الفخار نتاج قرون من التجارب
يرى الباحثون أن المكتشفات الجديدة تعكس مرحلة طويلة من التجارب التقنية والتطور التدريجي، وليس اختراعا مفاجئا ظهر في فترة زمنية قصيرة.
ويُرجح أن صناعة الفخار نشأت من ممارسات أقدم، مثل طلاء جدران المنازل بالطين، وتغطية السلال بطبقات طينية، وتحسين الأوعية الحجرية بمواد طينية محروقة.
وتدعم هذه الأدلة فكرة أن التحول إلى إنتاج الفخار كان عملية تدريجية استمرت لقرون عديدة، قبل أن يصبح الفخار جزءًا أساسيًا من حياة المجتمعات الزراعية الأولى.
أهمية الاكتشاف
يساعد هذا الاكتشاف في فهم المراحل الأولى لتطور التقنيات البشرية، ويقدم رؤية جديدة حول كيفية انتقال المجتمعات القديمة من استخدام المواد الطبيعية البسيطة إلى تطوير صناعات متخصصة شكلت أساس العديد من الابتكارات اللاحقة.
كما يعزز أهمية منطقة الأناضول باعتبارها إحدى أبرز المراكز التي شهدت تطورات مبكرة في تاريخ الحضارة الإنسانية.