توصل باحثون إلى اكتشاف علمي جديد قد يعزز فعالية المضاد الحيوي الشهير البنسلين في القضاء على البكتيريا. فقد نجح فريق علمي من جامعة كورنيل في إعداد خريطة مفصلة للتغيرات الأيضية التي تحدث داخل الخلايا البكتيرية عند تعرضها لجرعات مرتفعة من هذا المضاد الحيوي.
وأظهرت النتائج أن البكتيريا، عندما تدخل في حالة مقاومة مؤقتة للمضادات الحيوية، تعاني في الواقع من نقص حاد في المكونات الأساسية اللازمة لبناء الحمض النووي (DNA)، وهو ما يفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية جديدة للقضاء عليها.
كيف تتصرف البكتيريا عند التعرض للبنسلين؟
عند مواجهة البكتيريا للمضاد الحيوي البنسلين، فإنها لا تموت دائما على الفور. فالكثير منها يدخل في حالة بقاء خاصة تُعرف باسم التحمل أو المقاومة المؤقتة للمضادات الحيوية.
في هذه الحالة:
تتوقف البكتيريا عن الانقسام.
لكنها تظل نشطة من الناحية الأيضية.
وتنتظر انتهاء تأثير الدواء لتستأنف نموها مرة أخرى.
ويعتبر العلماء هذه المرحلة مقدمة خطيرة لتطور المقاومة الكاملة للمضادات الحيوية، وهي مشكلة صحية عالمية متزايدة.
تفاصيل الدراسة العلمية
استراتيجية جديدة للقضاء على البكتيريا ( مصدر الصورة: Unsplash)
أجرى الدراسة فريق بحثي بقيادة توبياس دور، الأستاذ المشارك في قسم الأحياء الدقيقة، وبمشاركة الباحثة ميغان كيلر من جامعة كورنيل.
واستخدم العلماء في أبحاثهم بكتيريا Vibrio cholerae، وهي البكتيريا المسببة لمرض الكوليرا، والتي تُستخدم غالبا كنموذج في الدراسات الميكروبيولوجية.
واعتمد الباحثون على منهجين رئيسيين لتحليل ما يحدث داخل الخلية البكتيرية عند التعرض للبنسلين:
تحليل نشاط الجينات أثناء معالجة البكتيريا بالمضاد الحيوي.
قياس آلاف الجزيئات التي تنتجها الخلية خلال هذه العملية.
وقد سمح هذا النهج المزدوج بالحصول على أدق صورة حتى الآن للتغيرات الداخلية التي تحدث في البكتيريا أثناء التعرض للبنسلين.
اكتشاف نقص حاد في مكونات الحمض النووي
أظهرت نتائج الدراسة أن البكتيريا، تحت تأثير البنسلين:
تتوقف عن الانقسام.
لكنها تستمر في تنفيذ عملياتها الأيضية.
كما لاحظ العلماء تفعيل الجينات المسؤولة عن إصلاح جدار الخلية المتضرر، وهو رد فعل متوقع.
لكن الاكتشاف الأهم كان الانخفاض الحاد في مستويات النيوكليوتيدات، وهي المكونات الأساسية التي يعتمد عليها الجسم في بناء:
الحمض النووي (DNA)
والعديد من الجزيئات الحيوية داخل الخلية.
لماذا يحدث هذا النقص؟
فسّر العلماء هذه الظاهرة بحدوث اختلال في عمليات التمثيل الغذائي داخل البكتيريا.
فالبنسلين يؤدي إلى تحفيز تصنيع جدار الخلية بشكل غير منضبط، ما يدفع الخلية إلى استهلاك معظم مواردها من الجلوكوز في هذه العملية.
ونتيجة لذلك:
يتم توجيه الطاقة والموارد بالكامل تقريبًا لبناء جدار الخلية.
ولا يتبقى ما يكفي لإنتاج النيوكليوتيدات اللازمة لبناء الحمض النووي.
استراتيجية جديدة للقضاء على البكتيريا
انطلاقا من هذا الاكتشاف، طرح الباحثون سؤالا مهما:
إذا كانت البكتيريا تعاني بالفعل من نقص في النيوكليوتيدات، فهل يمكن زيادة هذا النقص عمدا للقضاء عليها نهائيا؟
وللإجابة عن هذا السؤال، اختبر العلماء مزيجا من دواءين:
البنسلين
تريميثوبريم (Trimethoprim)، وهو دواء يثبط إنتاج النيوكليوتيدات.
نتائج واعدة في مكافحة البكتيريا الخطرة
أظهرت التجارب أن الجمع بين البنسلين وتريميثوبريم كان أكثر فاعلية بمئات الآلاف من المرات في قتل بكتيريا الكوليرا وغيرها من البكتيريا الخطرة مقارنة باستخدام كل دواء بمفرده.
وتشير هذه النتائج إلى إمكانية:
تحسين فعالية المضادات الحيوية الموجودة حاليا.
تقليل الحاجة إلى زيادة الجرعات.
الحد من تطور مقاومة البكتيريا للأدوية.
ويرى الباحثون أن هذه الاستراتيجية قد تمثل نهجا واعدا في تطوير طرق جديدة لمكافحة البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية.